لو وَاصَلَتْنِيَ يَوْماً لم أَمُتْ أَبَداً

أَوْ لَمْ تَصِلْنِي فَيا مَوْتِي بها كمَدا

لِمَنْ أُوصِي بميراثِ الغَرامِ لَها

هَيْهات هَيْهاتَ لاَ أَرْضَى لَها أَحَداً

ومِنْ غَرامِي دموعٌ ما لها عَدَدٌ

وكَيْفَ أَسْخُو بِما لَمْ أُحْصِه عَدَدا

وإِنْ تَشَكَّكتَ أَنِّي قد قُتِلتُ بها

فاسْتَقْسمِ الدَّلَّ أَو فَاسْتَشْهِد الغَيَدا

فثغرُها ومُحيَّاها وقامَتُها

كانوا عليَّ كَما شاءَ الْهَوى لُبَدَا

وقد سُحِرْتُ بِتلكَ الْعَيْنِ لاَ قَذِيتْ

كما احْتَرقْتُ بِذَاك الخَدِّ لا خَمَدا

وليس يَنْفعُ فَاهَا جحدُه لِدَمِي

وخَدُّها عِنْد قَاضِي الحسنِ قَدْ شَهدا

رأَِيت كُلَّ عجيبٍ من مَلاحَتها

حتَّى رأَيتُ بِفيها الخَمْرَ والبَرَدَا

من علَّمَ الظَّبيَ لولا طرفُها حوراً

وعلَّم الغُصْن لولا قَدُّها مَيدَا

لم تبْدُ للبدرِ إِلا واسْتَحَى خَجَلاً

والنرجِسِ الغَضِّ إِلاَّ وَاشْتَكَى رَمَدا

وعينُها وهي لا تَدْري وإِن رقدت

أَعَزُّ عِنْديَ مِنْ طَرْفِي وَإِن سَهَدَا

قولُوا لِجنِّةِ عَدْنٍ وهْيَ قَاتِلتي

مَا لِي رأَيْتُ نَعِيمي فِيكِ قَدْ نَفَدَا

قَالَت فإِنِّي بِحُسنِي نعمةٌ حَسُنَتْ

وإِنْ أَرَدْتَ وصَالاً لي فكن جِسَداً

وأَنتَ يَوْمَ نَدىً بالدَّمع تَهْطِله

وقلَّما اجْتَمَعَتْ شَمْسٌ ويَوْمُ نَدَى

ما أَطرقَ الطرفُ منِّي يومَ رُؤيتها

كِبْراً ولكن لذاك الحُسْنِ قَد سَجَدَا

كذاك قَلْبي لَمْ يَخْفِق بها مَرَحا

وإِنَّما خاف يَومَ الْبَيْن فَارْتَعدا

بالحُبِّ يَرجعُ عبدُ المرءِ سيَّدَه

ويَجْتري الظَّبْيُ حتَّى يفرسَ الأَسَدَا

قالت سلَوْتُ وما أَدْري أَأَعْلَمَها

بِذَاكَ دَمْعِيَ أَوْ أَنْفَاسِيَ الصُّعدا

جارَتْ عَلَيَّ وسَلْ خَدِّي فكَم تَركَتْ

به طرائقَ مِنْ وبل البكا بددا

ولا أرى ذا هلاً من لثم مبسمها

إلا بلثمي من عبد الرّحيم يَدَا

يدٌ لَو أنَّ فَمَ الصَّادِي يُقَبِّلُها

ما كان يَظْمَأُ يوْماً بَعْدَهَا أَبَداً

يَدٌ تَسِحُّ فَقالَ الْغَيْثُ وا أَسفا

والْبَحرُ وا كمَدَا واللَّيْلُ وا حَسدَا

يَدٌ لها كاسمها في الخلقِ قاطبةً

تعمُّ من غَابَ مِنْهم عَنْه أَوْ شَهِدا

يَدٌ يَدُ اللهِ صَاغَتْها لِيَبْسطِ ندىً

أَوْ كَفِّ عَدْوي عِداً أَوْ رَدِّ كَفِّ رَدَى

يُعطِي البحارَ ولكِن لا تَرى كَدَرا

وينفُثُ السِّحرَ لكن لاَ تَرى عُقَدا

خيرُ الأَنَامِ ومَولاَهُم وفاضِلُهم

عبدُ الرحيم ولا تَستَثْني لي أَحَداً

مِنْ أَصْلَحَ الحالَ منهم بعدمَا فَسَدتْ

وقلَّما صَلُح الشِّيءُ الَّذِي فَسَدا

ونَبهَ السَّعدَ فيهم بَعْد رَقْدَتِه

ومَنْ يُنَبِّه جَفْن السَّعدِ إِنْ رَقَدا

وردَّ عنهم شياطِيناً وقد مَردَت

وَلاَ مَرَدَّ لشيطانٍ إِذَا مَرَدا

هُمْ يَجْهدون لِيوفُوا حَقَّ نِعْمَتِهِ

وما يُوفَّى له حَقُّ ولو عُبِدَا

يُحِبُّه كَالْمُوالِي فيه حاسِدُه

حتى يَوَدَّ حَسودٌ أَنْ يَكُونَ فِدَى

كالْبَحْر حِين طَمَى والغيثِ حين هَمَى

والنَّجمِ حِين سَمَا والبَدْرِ حين بَدا

في الدَّسْتِ يَقْعدُ والأَقدارُ قَائِنةٌ

مِنْ شَاءَ يَقعد فليقعدْ كما قَعدَا

تَأْتِي الملوكُ إِلى أَبْوابِه زُمَراً

ويَدخُلون عَلى أَبْوابِه سُجُدَا

قد آنسوا نَارَ مُوسى مِن بَديهته

فَما يَجيئُون إِلاَّ يَقْبِسون هُدى

وحبَّروا فيه من مُدَّاحِه مِدَحا

لكن يُريدون مِنْ آرائِه الصَّفَدا

ما جَاءَهُ بَشَر مِنْهم ليُرْشِدَه

إِلاَّ وَهَيَّاله مِنْ أَمْرِه رَشَدا

ومَا استَقَامَت لِمَلْكٍ قطُّ مملكةٌ

إِلاَّ إِذا قَصَدَ النَّهجَ الَّذِي قَصَدَا

ولاَ ارْتَوَتْ مِنْ زُلالِ العِزِّ عِزَّتُه

إِلاَّ إِذَا وَرَد الرَّأْي الَّذِي وَرَدَا

مظفَّرُ الرأي مدلول بفطنته

على الإصابة يقظان وإن هجد

أغنى الملوكَ بِكُتْبٍ عَن كَتَائِبهم

فما بَرى قَلَماً إِلاَّ غَزا بَلَدَا

بِخَطِّه عادَ رُمْحُ الحَظِّ مُضْطَرباً

كَما تَراه وسَيْفُ الهنْد مُرْتَعِدا

انْظرُ إِلى الكُتْبِ تَلْقَ اللَّفظَ مُطَّرِزاً

ثُمَّ انْظُر الجيْشَ تَلْقَ الجيْشَ مُضْطَرِدَا

تَحِلُّ مَا تعقِدُ الآراءُ فِطنتُه

ولا يُطيقون حَلاًّ لِلَّذِي عَقَدا

أَبدى له الحظُّ ما يَخْفى لِدِقَّتِه

وقرَّبَ السَّعدُ منْه كُلَّ مَا بَعُدَا

وبَعْدَ هذا فإِنِّي كلمَّا بَعُدا

أَضْرمتُ نَاراً على الأَحْشَاءِ مُتَّقِدَا

لم يُبْقِ لي بُعده قلباً ولا كَبِدا

ولا جُفوناً ولا صَبْراً ولا جَلَدَا

وعند قومٍ عَلى حرب النَّوى عُدَدٌ

وليْس يُحسِن قلبي يَنْقُل العُدَدَا

يا ظاعِنين لقَدْ قَصَّرتُمُ أَمَلاً

يا غائِبينَ لقد طوَّلْتُمُ الأَمَدَا

أَمَا تَشَوَّقْتُمُ مصرَ الَّتيِ شَقِيَتْ

ولا مَلَلْتُم مِن الشَّامِ الَّذي سَعِدا

يا مالِكَ النَّفْس لِمْ صَيَّرْتَها هَمَلاً

وآخِذَ الْقَلْبِ لمْ لا تَأخُذِ الجَسَدَا

تركْتَنِي حائِراً في الدَّارِ مُغْتَرِباً

في الأَهْلِ مُستَوحِشاً في الخَلْقِ مُنْفَرِداً

كم اجتهدتُ بِجهدي في اللَّحاق به

وقَدْ أَصَابَ ولَو أَخْطَا مَن اجْتَهدا

لقد وعدتَ نُجومَ السَّعدِ طالِعةً

فِينَا ومِثْلُكَ مَنْ أَوْفَى بِما وَعَدا