لقد عِفْتُ عيشيَ بعْدَ العَفِيفِ

على العَيشِ بَعْدَ العفيفِ العَفاءُ

فما غاب ما غاب إِلاَّ الجميلُ

وما مات ما ماتَ إِلاَّ الوفاءُ

وإِلا الصديقُ وإِلاَّ الصَّدُوقُ

وإِلاَّ الصفيُّ وإِلاَّ الصَّفاءُ

حبِيبٌ قريبٌ به يُلْتَهى

وتُنسَى الأَحبّاءُ والأَقرباءُ

يقرَّب إِن بَعُد الأَقربون

ويُشْكَرُ إِنْ ذُمَّتِ الأَصدقاءُ

تلاومتُ إِنْ عشت من بعدِه

فأين الإباء وأين الحياء

وإِنَّ بَقَائِي من بعدِه

قبيحٌ وإِنَّ حياتِي جفاءُ

وكيف ولِمْ لا فَدَتْهُ الحياةُ

وقلَّ له من حياتي الفِدَاءُ

ولِمْ لا نَقَلْتَ إِليّ السَّقامَ

ويُنْقَلُ عنِّي إِليكَ الشَّفاءُ

وكيف ولِمْ لا رددتُ القضاءَ

وهيهاتَ ليس يُردُّ القضاءُ

فلا تَحْسَبُوا أَنَّني قد بَقِيتُ

بَقِيتُ ولكن بقائي فَنَاءُ

وأَمَّا مُقَاميَ فهُوَ الرّحيلُ

وأَمَّا نعيميَ فهو الشَّقاءُ

برغمي دفَنْتُ عزيزاً عليّ

فصارَ عزيزاً عليَّ العَزَاءُ

مررتُ على رَبعه خَالياً

وما رَبْعُه في فُؤَادي خَلاءُ

دفنت سرُورِيَ في قَبْره

فما لِيَ في ذا ولا ذَا رجاءُ

تقول أَمانيَّ هل نَلتَقي

فَقُلتُ نَعم في المعَادِ اللِّقَاءُ

ولست أُطيقُ أَرىَ قبرَه

وإِنْ كَان فيه السَّنا والسَّناءُ

فقد مَنع الطرفَ منِّي ومنْه

إِمّا الدُّمُوعُ وإِمّا الضِّياءُ

فأُفٍّ لدينا تساوى الَّذيـ

ـن بساحَتِها أَحْسَنُوا أَمْ أَسَاءُوا

يَعُم أَذَاهَا فلا الأَغنياءُ

نَجَوْا من أَذَاها ولا الأَنْبِياءُ

ونالَتْ كما تشتهي مَا تشاءُ

وما نالَ خلقٌ بها ما يَشاءُ

يشيب بها المرءُ قَبْلَ الشبابِ

ويُهدَمُ من قبلِ يُبْنى البناءُ

خَلِيلِي وحاشاك أَن لا تجيبَ

ندائِي فَقَدْ طال منِّي النِّداءُ

لئن كنتَ أُسْكِنْتَ دَارَ البلى

فقد دَارَ بالقلب منِّي البَلاَءُ

وإِن جفَّ فيكَ دمٌ واحدٌ

فقد سَالَ من مُقْلَتَيَّ دِمَاءُ

سأُثْنِي عَلَيْكَ وما قلَّ ما

يَقُومُ بما يَسْتَحِقُّ الثَّناءُ

ثناءٌ يُنَدُّ به النَّدُّ عنه

حياءً ويَكْبُو لدَيْه الكِبَاءُ

ثنائيَ قد غَبَطتْهُ الرِّياضُ

وقَبْرُكُ قد حَسَدتْهُ السَّماءُ

تصرَّمَ ما بيننا وانْقَضى

وزال التزاورُ والإِلتقاءُ

فماليَ منك سوى الاكتئابِ

ومالك مِني إِلاَّ الدُّعَاءُ

ويبكي عليكَ فَمِي بالقَريضِ

إِذا قلَّ مِنْ مقلتيَّ البُكَاءُ

فَجوزِيتَ عنِّي خَيْر الجزاءِ

وأَعطاكَ مَنْ بيَديْهِ العطاءُ

ولا زِلْتَ بالقَبْرِ في جنةِ

لك الرِّيُّ من ظَمْئِها والرُّواءُ