رحلوا فلستُ مسائِلاً عن دَارِهمْ

أَنا باخِعٌ نَفْسِي على آثارِهم

أَسفاً لأَنْ بَانَ الذين قُدُودُهم

من بَانِهم وخدُودُهم مِنْ نَارِهمْ

ودموع عيني بل عيونُ مدَامِعي

لجوارِ حُسْنِهمُ وحُسنِ جِوارِهمْ

عهدي بهم والدّر من حَصْبَائِهم

في الدَّار والياقوتُ من أَحجارهم

والمسكُ والكافورُ تُرْبَةُ أَرضِهم

فيها وماءُ الورد من أَنْهارِهم

لا ينظر البَدْرُ المنيرُ إِليهمُ

حَذَراً على عَيْنيه من أَنْوَارِهِم

ولقد رأَيتُ الشَّمسَ منها كُوّرت

من بعد أَنْ ركبوا على أَكْوارِهم

شَرِهَتْ نَوَاهُم فاغْتَدَتْ بِرجالهم

ونِسائهم وصغارِهم وكبارِهم

وخيولِهم وجمالِهم وقِطاطِهم

وكِلابهم وعبيدِهم وجِوارهم

حمَّ النَّسيمُ لبُعْدِهمْ فكأَنَّما

خَلَعوا هواجَرهم على أَسْحَارِهم

ولبُعْدهم طالت ذوائبُ ليلِهم

فيها يُغَطَّى نورُ وجه نهارهم

والعاشِقُ المسكينُ في أَطْلالِهم

مِثْلُ المنَاطِق جُلنْ في أَخْصَارِهم

يأتي ويذهبُ آيساً أَو راجِياً

لمَزارِ قُرْبهمُ وقُرْبِ مَزارِهم

وتجول لوعتُه عِرَاصَ بيُوتهم

وتجوسُ دمعتُه خِلاَلَ دِيارِهم

يبكي فلا تَسْأَلْه عن أَخباره

وَلَهاً إِذا سأَلُوه عَنْ أَخْبَارِهِم

ومليحةٍ في الظَّاعنين مَليّةٍ

للعاشِقِين ببرّهِمْ وبَوَارِهمْ

فوصالُها لنعيمِهم وصدودُها

لشقائِهم ورحيلُها لدمَارهم

وإِذا هيَ اسْتترتْ صدوداً عَنْهمُ

فانظرْ لما هَتَكَتْهُ من أَسْتَارِهم

لا ينقضي يوْمٌ لها لَمَّا نَأَتْ

إِلاَّ وقَد أَخذَتْه من أَعمَارِهم

وغدت تحدِّث عنهمُ أِشعارُهم

فيها بما كَتَمُوه من أَسْرَارِهم

أَنا شيخُهم في عِشْقِها وعَليَّ قد

قَرَءوا الذَّي نَظَمُوهُ من أَشْعارِهم

أَمنوا انبساطَ العَذْل من عذَّالِهم

ثِقَةً بما بَسَطُوه من أَعْذَارهِمْ

لم يُقْبل العذَّال لمّا أَقْبلُوا

لكِنَّهم ولَّوْا على أَدْبَارِهم