خَلُّوا سبيلَ الشّاعرِ المُتدفِّعِ

وخُذوا بيانَ العبقريِّ المُبدِعِ

النيّلُ يُصغِي في مواكبِ عِزّهِ

ويَهُزُّ عِطفَ الشيِّقِ المُتَطَلِّعِ

لَبّيكَ جئتُ وأنطقتني حُرمةٌ

لَكَ لم تَزَلْ منّي بأكرمِ مَوضعِ

لكَ من زَعيمِكَ ما أردتَ وهذه

نجوى زعيمِ الشّعرِ فانظر واسمعِ

أحببتُ مصرَ بقلبهِ ويقينهِ

فبيانُه عِندي وحكمتُه معي

وعَرَفتُها تشكو إليه غليلَها

وتطوفُ من يدهِ بأطيبِ مشرعِ

حامت على استقلالها وتوجّعتْ

للمُشفِقِ الحاني على المُتوجِّعِ

فمَضى يخوضُ إليه كُلَّ مَخوفةٍ

غبراءَ تعصِفُ بالكميِّ الأروعِ

ومَشَى يُحدِّثُ هَالكاً عن هالكٍ

فيها ويسألُ مَصرعاً عن مصرعِ

نستنطق الغَمَراتِ أين مكانه

ونظلُّ ننظرُ في القَتامِ الأسفعِ

مُتطلّعينَ نرَى تَقلُّبَ وجههِ

في مثلِ إيماضِ البُروقِ اللُّمَّعِ

ونَراهُ يَستبِقُ المطالعَ صاعداً

حتّى يَمُرَّ من السّماكِ بمطلعِ

يَبغِي لُبانةَ مصرَ في مُستشرِفٍ

صَلْبِ الجوانبِ بابُه لم يُقرَعِ

أتتِ الغَوائلُ دونها فكأنّما

هيِ من كُهوفِ الجنِّ في مُستودَعِ

كانت كأحلامِ النّيامِ فأصبحتْ

مِلءَ العيونِ سناً ولمّا تهجعِ

أَمُذلِّلَ الأحداثِ أنتَ جَعلتَها

مِنّا بمنزلةِ الذَّلولِ الطيِّعِ

لولا حِجاكَ وَطُولُ باعِكَ جاوزتْ

بَاعَ الرجاءِ ومُستطاعَ المطمعِ

لما اصطفاكَ الشّعبُ كُنتَ له أباً

يَرعاهُ في الحَدَثِ الجليلِ المُفظعِ

دَفَع اللّواءَ إليكَ لم يُؤثِرْ به

غيرَ الأعزِّ من الحُماةِ الأمنعِ

جرّدتَ صَحبَك للكفاحِ مَواضياً

خُذُماً متى تضرب بكفِّكَ تَقْطَعِ

مِن كلّ مُقتحمٍ يَرى الدَّمَ حَوله

فيخوضُهُ ويَكِرُّ غيرَ مُروَّعِ

أبطالُ مصرَ تَداركوا آمالَها

واليأسُ مِلءُ فؤادِها والأضلعِ

وَعَجِبتُ لِلشُّهداءِ حَولَ زَعيمهم

جَزَعَ الرَّدَى ونفوسُهم لم تجزعِ

كتب الشّبابُ لِمصرَ من مُهجاتِهم

عَهدَ الفِداءِ فَقُلْ لِنفسكَ وقِّعي

يا مطلعَ العهدِ الجديدِ تحيّةً

كَسناهُ إن تَظْفَرْ بِنُوركَ تَسطعِ

أخرجتَ قومَك مِن غياهبِ أزمةٍ

لَولاكَ لم تَنْجَبْ ولم تتقشَّعِ

لولا غُلُوُّكَ في المطامعِ ما انْبَرى

يَبغِي الزِّيادةَ طَامعٌ لم يقنعِ

مَا ليسَ من أدبِ الحياةِ وحقّها

فَضَلالةٌ أو باطلٌ لم يُشْرعِ

أحداثُ دَهرٍ مَن يَسُسْها تَستقِمْ

بَعدَ الجُنوحِ ومَن يَرُضْها تَخْضَعِ

وأُمورُ دُنيا ما لَوَتْ يدَ طالبٍ

لَبقٍ ولا ضَاقتْ على مُتوسِّعِ

ذُو الجهل يُقتَلُ بالدَّواءِ وذُو النُّهى

يَجنِي الشفاء مِن الذُّعافِ المُنْقَعِ

وأشدُّ مِن ظُلْمِ الحَوادثِ ظالمٌ

يَبكي لِما صَنعتْ وَما لَمْ تَصْنعِ

مَن راضَ في خِدَعِ السّياسةِ نفسَه

عِلماً بها فكأنّه لم يُخدَعِ

الأَمرُ غَيبٌ والذّرائعُ جَمّةٌ

والصَّبرُ نِعمَ العَونُ للمُتذرِّعِ

إنّ الذي أعطَى الكِنانةَ عَهْدَهُ

لَهُو المُؤمَّلُ لِلمهمِّ المُفزعِ

ياذا القِلادةِ إنّها لَكَ آيةٌ

مِن مَظهرِ الشَّرفِ الأعزِّ الأرفعِ

زَادت مقامَكَ رِفعةً وجَزَيْتَها

فَثَوتْ مع الجوزاءِ فيما تَدّعي

هِيَ فوقَ سُؤدُدِها وغايةِ عِزِّها

فَلْتُغْضِ في عَليائها وَلْتَخْشَعِ

ما المجدُ يلبسُهُ الرِّجالُ مُرصَّعاً

كالمجدِ غُفْلُ التَّاجِ غيرُ مرصَّعِ

أوَ ما كفاكَ الجُّودُ بالنّفسِ التي

حمَّلتَها عِبءَ الجهادِ المُضلِعِ

آثرتَ مِصرَ بما بَذلتَ لأجلها

وَمَنحتَ من مِالِ امرئٍ مُتورِّعِ

لَو لم تكن قَدَّمتَه مُتبرِّعاً

لَبلغتَ أقصَى غايةِ المُتبرِّعِ

جَرَتِ المنابعُ يستبقنَ سَماحةً

وَسبَقتَ أنتَ فكنتَ أوّلَ مَنبعِ

مالي سِوَى الشِّعرِ الذي أنا باذلٌ

والشّعرُ من خيرِ العَتادِ لمن يعي

اجمعْ لِمصرَ جَزاكَ ربُّك صَالحاً

أعلامَ عمروٍ في مواكبِ خفرعِ

واسْلُك بها النّهجَ السَّوِيَّ فإنّها

مهما تكن تُقبِلْ عليكَ وتَتْبَعِ

وإذا الأُمورُ على الرجال تَشابهتْ

فاهدِ النُّفوسَ إلى الأحبِّ الأنفعِ

وَزِنِ العُقولَ فان ظَفرتَ براجحٍ

فاستبقِ كنزَك لا يَكُنْ بِمُضيَّعِ

وتخيَّرِ الأخلاقَ إنّ أجلَّها

ما ليس بالواهي ولا المُتصدِّعِ

ابْنِ الحياةَ على أساسٍ صالحٍ

وتأنَّ تأمنْ زَلَّةَ المُتسرِّعِ

وَبحبلِ ربِّكَ ذي الجلالةِ فاعتصمْ

وإليه في كلِّ المواطنِ فارْجعِ

وخُذِ القِلادةَ صاغها لَكَ شاعرٌ

اللهُ أَوْرَثَهُ قَلائدَ تُبَّعِ

والاكَ في مصرَ التي لم يَنْتَصِرْ

لِسوَى قضِيَّتِها ولم يتشيّعِ

الأُمّةُ ائتمرتْ بأمرِكَ فَاسْتَعِنْ

بِصُفوفِها والشّملَ حُوْلَكَ فَاجْمَعِ